دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن، يوم الأربعاء المقبل. يأتي هذا اللقاء الهام والاستراتيجي في وقت تعاني فيه الإدارة الأمريكية من ضغوط غير مسبوقة تفرضها جغرافيا الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط، وتحديدا انعكاسات الحرب المستمرة مع طهران منذ أواخر فيفري 2026 على أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار الوقود والديزل لمستويات قياسية تضرّ بحظوظ الحزب الجمهوري قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل.
وتكتسي زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن – وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد – طابعا بروتوكوليا غير معتاد، إذ يعتزم الرئيس ترامب استقبال ضيفه شخصيا عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة، في إشارة واضحة إلى حجم الرهان الملقى على هذه القمة. ولا تقتصر أجندة المباحثات على نزع فتيل التوترات التجارية وتخفيض الرسوم الجمركية المتبادلة أو معالجة الملفات العالقة بشأن تايوان والتكنولوجيا فحسب، بل تمتد لتلامس العمق الاستراتيجي لأمن الطاقة العالمي المتأثر بإغلاق مضيق هرمز وتصاعد هجمات الحوثيين الأخيرة واستهدافهم لمنشآت أرامكو في ينبع ومحيط الرياض.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري ،هل يمتلك الرئيس الصيني القدرة والرغبة للدخول في وساطة مع حلفائه في الشرق الأوسط لإنهاء الحروب المشتعلة في إيران واليمن ولبنان؟
في الواقع فإن الدبلوماسية الصينية تتحرك بخطى حثيثة لترسيخ دورها كقوة وساطة كبرى، مستندة إلى نجاحها التاريخي في إعادة العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023. وفي هذا السياق، شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكثفة شملت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين بالتنسيق مع الوساطة المحورية التي تقودها باكستان لاحتواء التصعيد بين الرياض والحوثيين، إلى جانب طلب سعودي غير معلن للجانب الصيني بالضغط على طهران لكبح جماح التصعيد الميداني.
وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي قد أكد لعراقجي، أن الصين وإيران ترتبطان بشراكة استراتيجية شاملة، وان بلاده مستعدة لتعزيز الحوار والتعاون مع إيران، والدفاع بفاعلية عن حقوقها ومصالحها المشروعة. مشيرا الى أن بكين لا ترغب في رؤية التوترات الإقليمية تمتد بشكل أكبر إلى اليمن والبحر الأحمر.
على صعيد آخر، تتمسك طهران وحلفاؤها -عبر مواقف إيرانية معلنة لشخصيات بارزة كقاليباف ومحسن رضائي- بشروط مسبقة واضحة تتضمن وقفا شاملا للحرب على جميع الجبهات أي إيران واليمن ولبنان ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية قبل الدخول في أي تسوية نهائية. وفي رسالة حازمة أكد الحرس الثوري أن أي هجوم جديد لن يواجه بالأساليب ذاتها، وأن بنك الأهداف الإيرانية أصبح أوسع، ملوحا بتغيير جغرافية المواجهة وإدخال منظومات تسليح نوعية لم تجرِ تجربتها في المعارك السابقة. وهو تحذير ميداني مباشر يضاعف من ضغوط الميدان على طاولة المفاوضات.
في المقابل، تحاول إدارة ترامب تفادي الصدام المباشر -على الرغم من الحصار البحري المفروض على طهران -عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ومنح تأشيرات دبلوماسية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كإشارة إيجابية وسط ركام التصعيد.
فإدراك واشنطن لخطورة اتساع رقعة الصراع الشرق أوسطي – والتي تجلت في تحذيرات الخارجية الأمريكية الأخيرة من "تصعيد سريع" في المنطقة وارتفاع حصيلة الخسائر العسكرية وتداعيات الحصار البحري في باب المندب ومضيق هرمز -يجعل من قمة واشنطن بين الرئيسين الصيني والأمريكي فرصة سانحة لإرساء قواعد تنظيم الصراع الدولي والإقليمي.
ويبدو جليا بأن وجهة الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة – وخاصة النفط الذي تخطى حاجز المئة دولار للبرميل بفعل إغلاق مضيق هرمز واضطرابات باب المندب – تتوقف كلها على مخرجات قمة واشنطن بين الرئيسين ترامب وشي جين بينغ. والسيناريو الأول هو توصل الجانبان الأمريكي والصيني إلى تسوية واسعة تشمل تخفيض الرسوم الجمركية المتبادلة مثل الغاز الطبيعي المسال وسلع بقيمة 30 مليار دولار، بالتوازي مع حصول بكين على ضمانات لتدفق آمن للطاقة من الشرق الأوسط. وفي مقابل ضغط الصين على طهران وحلفائها الحوثيين لتهدئة الجبهات.
ومن شأن ذلك أن يؤثر بشكل مباشر في تراجع حاد في أسعار النفط والديزل التي سجلت مستويات قياسية مؤخرا.
كما سيؤدي ذلك الى إعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز وتأمين الملاحة في باب المندب، مما ينعكس إيجابا على خفض تكاليف الشحن البحري العالمي.
وستجد ادارة ترامب والحزب الجمهوري متنفسا لها قبل الانتخابات النصفية عبر كبح التضخم وأسعار الوقود محليا.
أما في حال تعثر المباحثات حول الملفات الإستراتيجية وتايوان وملفات الطاقة، وفشل الوساطة الصينية الباكستانية في كبح جماح التصعيد الميداني واستمرار هجمات الحوثيين على البنى التحتية النفطية.، فإن التداعيات الاقتصادية ستكون كارثية وتتمثل في استمرار الشلل في مضيقي هرمز وباب المندب إضافة الى تواصل المخاطر الإضافية على إمدادات أرامكو والموانئ الحيوية.
علاوة على بقاء أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة كارثية (أعلى من 100 دولار)، مما يغذي معدلات التضخم في العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا. ومن شأن ذلك أن يتسبب بتفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية للإدارة الأمريكية وزيادة الضغوط الشعبية والانتخابية على الحزب الجمهوري.
وفي قلب هذه الصفقة المعقدة، تبرز جزيرة تايوان بوصفها "الخط الأحمر" الأكثر حساسية لبكين، والورقة الاستراتيجية الأثقل وزنا في جعبة واشنطن. ففي محاولة لتهيئة أجواء إيجابية تضمن تجاوب الرئيس الصيني شي جين بينغ مع المساعي الأمريكية لإنهاء حرب إيران وفتح مضيق هرمز، تدرس الإدارة الأمريكية بجدية تقديم تنازلات ملموسة تتعلق بتأجيل إعلان صفقات أسلحة كبرى لتايبيه إلى ما بعد قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المقرر عقدها في نوفمبر 2026 بمدينة شنتشن الصينية ،أو حتى نهاية العام، إلى جانب تخفيف التوتر حول المياه المجاورة للجزيرة. وبهذا، يبدو أن ترامب مستعد للمناورة بملف تايوان الحساس - مؤقتا على الأقل - مقابل الحصول على وساطة صينية مع طهران، وتأمين تدفقات الطاقة، وخفض التصعيد في جبهات اليمن ولبنان، لحماية حظوظ حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة.
وعليه، فإن نجاح الرئيس الصيني شي جين بينغ في توفير مظلة دبلوماسية والتوصل لتهدئة تخدم مصالح كل الأطراف ، سواء المصالح الاقتصادية الحيوية لبكين والمتمثلة أساسا في تأمين إمدادات الطاقة ، وكذلك حاجة ترامب الملحة لتهدئة الجبهات في الشرق الأوسط واستعادة الاستقرار لتجاوز مخاض الانتخابات الامريكية النصفية المقبلة، كل ذلك قد يمهّد الطريق أمام صفقة كبرى تعيد رسم معادلات الردع في الشرق الأوسط وتُجنب المنطقة مزيدا من الكوارث والمآسي وكذلك تحمي الاقتصاد العالمي من الهزّات والأخطار العنيفة.